
كل يوم جديد يمر علي الحكومة المصرية يثبت أن "فيه حاجة غلط"، لكن الدكتور أحمد نظيف ووزراءه وأعضاء الحزب الوطني وقياداته يرون أننا في أحسن حال والدنيا عندنا عال العال، حتي لو أصروا علي إنشاء مصنع بترو كيماويات علي جزيرة رأس البر الجميلة، مع أن هذا النوع من المصانع شديد الخطورة علي البيئة وصحة الإنسان الذي يعيش بالقرب منها، فلم تعد الدول الكبري تبنيها علي أراضيها وتنقلها إلي دول العالم الثالث، ونحن منها، فالبشر بلا ثمن والسياسة علي الكيف.. وكله ماشي علي رأي نادية الجندي في "خمسة باب"!
وحكاية مصنع أجريوم في رأس البر هي "دليل دامغ" علي فساد عقل الحكومة المصرية، ولو اجتمع المصريون وأخذوا أوراق هذا المصنع فيمكنهم رفع قضية "حجر" علي الحكومة والحزب الحاكم، ولو ترك الأمر للقانون والدستور قد توافق المحكمة علي طلب الناس، ونحبس هذه الحكومة في أقرب مصحة عقلية ونفسية!
وكان يمكن أن أصدق الحكومة وهي تمنح الشركة الكندية "أجريوم" تراخيص بناء مصنع بترو كيماويات باستثمارات 1.4 مليار دولار، لإنتاج 1.3 مليون طن آمونيا/يوريا، وأومن بأن المصنع الذي سيوفر أيضا 2500 وظيفة للعاطلين هو "عمل" مهم يستحق منا أن نرفع القبعة للحكومة.. لكن لأن الدمايطة ثاروا عليه وشنوا ضده حملة شعواء، لعب الفأر في عبي، فالدمايطة أشطر ناس في مصر وهم رجال بيزنس بالفطرة، ولا يمكن أن يعادوا مشروعا إلا إذا كانت وراءه مصيبة فعلية.. وعموما هل هناك من هم ضد مصالحهم؟!
لكن حكومة الدكتور نظيف لا تستوعب أن يعترض مواطنون علي مشروع هي وافقت عليه، فالمصريون في رأيها "قطيع" له راع،مطرح ما "يرميهم" عليهم أن يحمدوا ربهم ويبوسوا أيديهم "وش وضهر"، ويسجدوا شكرا لله أن منحهم هذه الحكومة وهؤلاء الرجال العظام وأفكارهم الطائرة!
من هنا لم يستجب الدكتور نظيف لما يعترض عليه أهالي دمياط الحريصون علي حياتهم.. ومضي في طريق المشروع محاولا خلع الإشارات الحمراء بالتجاهل والابتسام!
لم يحاول الدكتور نظيف أن يجيب عن سؤال في غاية البساطة: هل تقام مثل هذه المصانع بالقرب من المدن الساحلية والشواطئ والمصايف التي يؤمها الملايين وتدر ذهبا علي أهلها؟!
لماذا نبني مصنعا يثير الذعر في قلوب الناس من التلوث فتخسر هذه المدينة الجلد والسقط من أجل شركة "كندية"؟!
وإحقاقا للحق، لم تنل الشركة الكندية الموافقة علي مشروعها من حكومة الدكتور نظيف، وإنما من حكومة الدكتور عاطف عبيد، (هو صحيح ليه كل رؤساء الوزراء دكاترة.. هي مصر جامعة أم دولة؟!)!
هذا يستدعي أن نعود إلي أصل الحكاية..
والأصل يعود إلي عام 2003، حين كان الدكتور إبراهيم سليمان وزيرا للإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة، وكلنا يعرف ماذا فعل الدكتور إبراهيم سليمان بالرغم من نشاطه الجم والوسام الذي حصل عليه، فأغلب التصرفات عليها علامات استفهام لم نصل إلي إجابات لها بعد، وقد يكون منها مشروع شركة أجريوم الكندية.. والشركة اشترت الأرض من هيئة المجتمعات العمرانية ، لإنشاء مصنع الأمونيا واليوريا بمشاركة وزارة البترول المصرية بنسبة 33%، دون إخطار لمحافظة دمياط، ويبدو أن الحكومة المصرية جزر منفصلة، كل جزيرة لها حاكم ونشيد وعلم قومي، ولم يبق لها سوي الانضمام للأمم المتحدة، فالوزارة جزيرة والمحافظة جزيرة، وكانت المحافظة قد حددت لهذه الأرض خريطة استثمار سياحية باعتبارها امتدادا طبيعيا لمدينة رأس البر..
وتصورت الشركة الكندية أنها بذلك العقد قفزت علي "صلاحيات" محافظة دمياط، ولم تعد في حاجة إليها، لكنها كانت مخطئة للغاية، لأن موافقة وزارة البيئة علي هذه النوعية من الصناعات الملوثة للبيئة ضرورة يصعب الدوران حولها دون روائح كريهة، فذهبت إلي وزارة البيئة تطلب الإذن، لكن الإذن مشروط بموافقة المجتمع المدني، إذ لا يصح أن يستيقظ الناس فجأة علي مصنع بتروكيماويات علي بعد فركة كعب من بيوتهم، وجرت اتصالات ومراسلات انتهت بعقد اجتماع في رأس البر في 29 نوفمبر 2006، وفي هذا الاجتماع عرف أهالي دمياط بأمر المصنع لأول مرة..
وقال ممثلوه أمام الجمع:إن المصنع سيقام علي 900 ألف متر مربع وسينتج 2300 طن أمونيا، و3500 طن يوريا يوميا، وبه سعة تخزينية تصل إلي 56 طنا من النوعين، ولن يؤثر علي البيئة بأي أضرار تذكر، بل علي العكس سيكون عنصرا فعالا في تنمية المنطقة!
لكن المجالس الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالبيئة رفضت المشروع جملة وتفصيلا..
المدهش أن شركة أجريوم حصلت علي موافقة وزارة البيئة.. وهنا علينا أن نتوقف وندق جميع أجراس الإنذار ونضيء كل الإشارات الحمراء ونصرخ بأعلي الأصوات.. لماذا؟!
لأن وزارة البيئة أصدرت دليلا شهيرا في أكتوبر عام 1996 عن أسس وتقييم الأثر البيئي ، وأدرج هذا النوع من المنشآت في القائمة السوداء الأعلي درجة في تلوث البيئة كما وردت في الصفحة 49 من هذا الدليل، وتضم: مصانع الصلب والحديد الزهر التي تزيد الطاقة الإنتاجية بها علي 150 طنا في اليوم، والمصانع التي تقوم بأعمال الطلاء الكهربائي بطاقة إنتاجية تزيد علي 25 طنا من المشغولات في اليوم، ومصانع الأسمنت بطاقة 50 طنا في الساعة، والصناعات الكيماوية المتكاملة مثل مصانع السماد!
فكيف وافقت وزارة البيئة علي منشأة ضد الدليل الذي وضعته؟!
سؤال يجب أن يجيب عنه وزير البيئة أمام مجلس الشعب أو أمام الرأي العام حتي نتعرف كيف تتخذ القرارات في بلادنا..
المدهش أن وزارة البيئة بعد ذلك أيدت طلب الدكتور محمد فتحي البرادعي محافظ دمياط علي تحويل جزيرة رأس البر كلها إلي محمية طبيعية، "نظرا لموقعها المتميز ووجودها في مسار هجرة الطيور والأسماك، واحتوائها علي غطاء نباتي كثيف من أشجار النخيل( 2 مليون نخلة) والجوافة، وللتنوع البيولوجي والتراكيب الجيولوجية والظواهر البيئية التي تستحق الحماية، حتي يمكن حظر أي أنشطة أو القيام بأية أعمال أو تصرفات أو إجراءات من شأنها إتلاف أو تدهور البيئة الطبيعية.. الخ"!
هذه الكلمات بالنص دون أي صياغة منا.. .
إذن ما هذه اللخبطة؟!
وما الذي يجعل الخطر مصرحا به إلي هذه الدرجة؟!
وطبعا لم تقبل شركة أجريوم الرفض.. ويبدو أن لديها أسبابا تجعلها علي قناعة تامة بأن المصنع سيقام مهما فعل "الأعادي والأراذل"..
وحكاية مصنع أجريوم يشدنا إلي حدث في مصر في القرن التاسع عشر، والذي يعرف في تاريخنا الحديث بالنهب المنظم.. وكتب عنه المؤرخون والاقتصاديون عشرات الكتب والمراجع.. ولكي نفهم هذه العبارة.. اسمحوا لي أن آخذكم في جولة في موقع أجريوم علي شبكة الانترنت، وأنقل لكم عبارات في غاية الأهمية من "نشرة إخبارية في ديسمبر 2007 "..
تقول العبارة التي وردت علي لسان مايك ويلسون رئيس الشركة: "هذه فرصة هائلة لأجريوم أن تبني وتدير في منطقة فيها أسعار الغاز رخيصة وتسمح بالمنافسة لمدة طويلة وأيضا قريبة من الأسواق العالمية، وفيها عمالة متعلمة ومدربة، ونتوقع أن المصنع الذي نملكه سيكون واحدا من أرخص عمليات التشغيل في العالم"!
أي أن أجريوم تبني أرخص مصنع في العالم من حيث الإنشاءات ثم تكاليف التشغيل.. وقد تكون هذه ميزة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية إلي بلادنا.. لكن ليس برخص التراب..
وبالرغم من هذا ليس هو السبب الوحيد الذي دفع أجريوم إلي بلادنا..
يقول تقرير أصدرته الحكومة الكندية في نوفمبر 2001 عن الشركات العاملة في الخارج: إن المشروعات الضارة للبيئة والتي بمثابة "أعمال كارثية" قد جري تصديرها إلي العالم الثالث، بيرو، الأرجنتين، تنزانيا، كولومبيا، إندونيسيا، السنغال، موريتانيا، مالي، شيلي..
ثم يتحدث التقرير شديد الخطورة عن "نشر الكوارث" تباعا.. ثم يصنف الشركات التي تعمل علي هذا النشر ومنها "أجوريوم"..
ويبدو أن الدور جاء علي مصر..
وإذا كانت الحكومة أو بعض منها لا يهمه هذه الكوارث، علي أساس "ماذا يفيد الشاة سلخها بعد ذبحها"، والمصريون يحيط بهم التلوث في البر والبحر والجو، إلا أن المصريين أو بعضا منهم لم يفقدوا الأمل بعد أو لم تصل درجة إحباطهم إلي اليأس التام، فاعتصموا بقدر من المقاومة، لعلهم يقدرون علي تغيير الواقع المر والحال المائل.. وبالفعل تصدي الدمايطة للمشروع ومعهم المحافظ محمد فتحي البردعي.. ووقفوا له بكل الطرق والوسائل المشروعة أو "القنوات الشرعية" حتي لا تقع اتهامات بالخروج علي القانون علي رؤوسهم وتصدر وزارة الداخلية بيانات ضدهم تهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور أن لم يمشوا جنب "الحائط" ويسمعوا كلام "أولي الأمر"!
ونجحت الحركة الشعبية في تعطيل العمل في مصنع التلوث.. بوقف تصاريح المياه والغاز إليه..
لكن الشركة لم ترضخ للضغوط الشعبية، وكيف لها أن تعيد التفكير والمصنع سيكون بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبا برخص التراب، وتفاوضت مع الحكومة وهددت باللجوء إلي التحكيم الدولي.. وادعي مسئولوها أنهم يفضلون المفاوضات الودية مع كافة الجهات، حتي تتمكن من وقف نزيف الخسائر الناجمة عن التوقف وتقدر بـ15 مليون دولار يوميا.
ودبت الحياة مرة ثانية وجرت الدماء في شرايين المشروع .. خاصة بعد أن دبرت وزارة الإسكان خدعة جهنمية، وهي أنها دبرت قطعة أرض بديلة عن القطعة المتداخلة من المشروع والتي تقول عنها محافظة دمياط إنها محمية طبيعية!
ولم تنطل الخدعة علي الأهالي..
وعادت الشركة إلي رفع لافتات "لا تأثير ضار" علي البيئة، وعلقت عليها موافقة وزارة البيئة، والبنوك الأجنبية الممولة والتي ادعت عليها بأنها لا تمول إلا المشروعات المتوافقة مع البيئة..
لكن الخبراء المصريين لم يصمتوا، وبينوا فساد هذه الادعاءات في تقارير مرسلة إلي الجهات المسئولة.. منها ما كتبه الدكتور محمد عبد الرحمن الوكيل أستاذ أمراض النبات بجامعة المنصورة..
أولا:المصنع داخل الجزيرة السياحية وعلي بعد 6 كيلومترات من رأس البر، والمشروعات النظيرة في العالم لا تقام إلا علي بعد مائة كيلو متر من العمران.. وقلة المسافة لا تتيح أي فرصة لتخفيف تركيز غازات عوادم الاحتراق مثل أول وثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت، وهي غازات شديدة السمية وتسبب عددا من الأمراض الخطيرة، ناهيك عن أنها سوف ينتج عنها بمرور السنين ظاهرة الأمطار الحمضية القاتلة للأرض الزراعية المحيطة.
ثانيا: وجود الأمونيا في الهواء واستنشاقها وتراكمها في جسم الإنسان يؤدي إلي الفشل الكلوي أو تسمم الدم والإضرار بالكبد!
أما اليوريا فهي تسبب احمرار وتهيج الجلد والعينين والصداع والقيء والغثيان وفقدان الاتزان والشرود المؤقت ونقص الصوديوم والبوتاسيوم.
ثالثا: بالفعل يوجد مصنع آخر بالمنطقة داخل أسوار ميناء دمياط، وإنشاء مصنع جديد سيزيد من "الحمل البيئي الضار..
رابعا: لقد وافق وزير الري والموارد المائية علي إمداد المشروع بمياه نهر النيل بكمية قدرها 10 ملايين متر مكعب في السنة، مع أننا نقترب من مجاعة مائية، وهذه الكمية قادرة علي زراعة بضعة آلاف من الأفدنة قمحا أو قطنا!
خامسا: استثمارات شركة أجريوم تقدر بـ1.4 مليار دولار، بينما استثمارات الجزيرة من عقارات وأراض ومنشآت سياحية تتجاوز مائة مليار جنيه!
سادسا: إلقاء مخلفات المصنع في البحر المتوسط كارثة علي الثروة السمكية..
لكن المهندس جريج ماكجلون الرئيس التنفيذي لشركة أجريوم مصر لم يقتنع بما قيل وكتب، وقلد النموذج الشرقي في رد الفعل، إذ اعتبر المعارضة للمشروع نوعاً من "المؤامرة" تحبكها مصالح خاصة، فتشيع معومات مغلوطة.. وان مجلس الوزراء وجميع الوزارات المعنية منحتنا التراخيص الموافقات اللازمة بعد دراسات مستفيضة، فقط هي محافظة دمياط التي تعترض مع أن الأرض لا تتبعها وتتبع هيئة المجتمعات العمرانية!
لكن كلام ماكجلون لم يعدل الموقف.. ولم يقلل من حدة الرفض..
ويبدو أن الحكومة حتي هذه اللحظة تقف في صف مستر ماكجلون وشركته الكندية وتضرب بكل هذه الاعتراضات عرض الحائط، بما فيها اعتراضات لجنة الصحة بمجلس الشعب، التي طالبت بوقف أعمال الإنشاءات!
وهنا تدخل الرئيس مبارك وطلب من الحكومة أن تطمئن الناس وأن تبدد مخاوفهم..
هل يمكن أن تسمع الحكومة الكلام؟..
لا نريد منها أن تستجيب.. أو ترجع عن الخطأ حيث الرجوع عن الخطأ فضيلة.. ولكن أن تعرض الملف كاملا دون تأثير علي لجنة محايدة.. فربما يوجد في العالم مشروعات بتروكيماويات تنشأ علي السواحل والمصايف وعلي بعد 6 كيلومترات من العمران ونحن لا نعرف..
بالله عليكم.. كيف نترك كل هذه الصحراء ونبني علي الأرض الزراعية مشروعات صناعية؟!
هل فقدنا عقولنا أم سال لعاب البعض منا علي الدولار الأخضر، أسف علي اليورو الملون، خاصة بعد تدهور سعر الدولار؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق